الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
180
تفسير روح البيان
الأرض ليست كرية بل هي مبسوطة قال سعدى المفتى وانما هو في التقلب عليها على ما فسروه انتهى وقد مر مرارا ان كرية الأرض لانتا في الحرث والغرس ونحوهما لعظم دائرتها كما يظهر الفرق بين بيضة الحمامة وبيضة النعامة لِتَسْلُكُوا من السلوك وهو الدخول لا من السلك وهو الإدخال مِنْها سُبُلًا فِجاجاً اى طرقا واسعة جمع سبيل وفج وهو الطريق الواسع فجر دهنا لمعنى الواسع فجعل صفة لسبلا وقيل هو المسلك بين الجبلين قال في المفردات الفج طريق يكتنفها جبلان ويستعمل في الطريق ال واسع ومن متعلقة بما قبلها لما فيه من معنى الاتخاذ اى لتسلكوا متخذين من الأرض سبلا فتصرفوا فيها مجيئا وذهابا أو بمضمر هو حال من سبلا اى كائنة من الأرض ولو تأخر لكان صفة لها ثم جعلها بساطا للسلوك المذكور لا ينافي غيره من الوجوه كالنوم والاستراحة والحرث والغرس ونحوها ثم السلوك اما جسماني بالحركة الأينية الموصلة إلى المقصد واما روحاني بالحركة الكيفية الموصلة إلى المقصود ولكل منهما فوائد جليلة كطلب العلم والحج والتجارة وغيرها وكتحصيل المحبة والمعرفة والانس ونحوها وقال القاشاني واللّه جعل لكم ارض البدن بساطا لتسلكوا منها سبل الحواس فجاجا اى خروقا واسعة أو من جهتها سبل سماء الروح إلى التوحيد كما قال أمير المؤمنين رضى اللّه عنه سلوني عن طرق السماء فانى أعلم بها من طرق الأرض أراد الطرق الموصلة إلى الكمال من المقامات والأحوال كالزهد والعبادة والتوكل والرضى وأمثال ذلك ولهذا كان معراج النبي عليه السلام بالبدن قالَ نُوحٌ أعبد لفظ الحكاية لطول العهد بحكاية مناجاته لربه فهو بذل من قال الأول ولذا ترك العطف اى قال مناجيا له تعالى رَبِّ اى پروردگار من إِنَّهُمْ عَصَوْنِي داموا على عصيانى ومخالفتي فيما امرتهم به مع ما بالغت في إرشادهم بالعظة والتذكير وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَساراً اى استمروا على اتباع رؤسائهم الذين ابطرتهم أموالهم وغرتهم أولادهم وصارت تلك الأموال والأولاد سببا لزيادة خسارهم في الآخرة فصاروا سوة لهم الخسار وفي وصفهم بذلك اشعار بأنهم انما اتبعوهم لو جاهتهم الحاصلة لهم بسبب الأموال والأولاد لما شاهدوا فيهم من شبهة مصححة للاتباع كما قالت قريش لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم فجعلوا الغنى سببا مصححا للاتباع ودل الكلام على أن ازدياد المال والولد كثيرا ما يكون سببا للهلاك الروحاني ويورث الضلال في الدين أولا والإضلال عن اليقين ثانيا قال ابن الشيخ المفهوم من نظم الآية ان أموالهم وأولادهم عين الخسار وان ازديادهما انما هو ازدياد خسارهم والأمر في الحقيقة كذلك فإنهما وان كانا من جملة المنافع المؤدية إلى السعادة الأبدية بالشكر عليهما وصرفهما إلى وجوه الخير الا انهما إذا أديا إلى البطر والاغترار وكفران حق المنعم بهما وصارا وسيلتين إلى العذاب المؤبد في الآخرة صارا كأنهما مخض الحسار لان الدنيا في جنب الآخرة كالعدم فمن انتفع بهما في الدنيا خسر سعادة الآخرة وصار كمن أكل لقمة مسمومة من الحلوى فهلك فان تلك اللقمة في حقه هلاك محض